علي الهجويري

238

كشف المحجوب

ويروى الآخرون : أنه اصطلاح يدلك على إرادة الطبع الذي به تنقاد النفس الأمارة ، كما تنقاد الروح بالفهم وكل روح خالية من الفهم غير كاملة ، كما أن كل نفس خالية من الهوى ناقصة . ونقص الروح نقص القرب ، ونقص النفس عن القرب . والإنسان مجدوب بعامل عقله وهواه إلى طرق متباينة ، فإذا أطاع دعوة الفهم نال الإيمان ، أما إذا أطاع هواه فإنه يصل إلى الضلالة والكفران ، لذلك فالهوى حجاب ودليل باطل ، والإنسان مأمور بمقاومته ، ومنهى عن ركون إلى هواها . كما يقال لأن من ركن إلى هواها هلك ، ومن خالفها ملك . كما قال اللّه تعالى : وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى « 1 » وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « أخوف ما أخاف على أمتي أتباع الهوى ونهى النفس عن الهوى » وعن ابن عباس في تفسير قوله تعالى : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ « 2 » أي أن الهوى إله معبود فويل لكل من يكون الهوى معبوده ، ويكون همه في الليل والنهار طلب رضى هواه . والهوى على قسمين : هوى في طلب الشهوة واللذة ، وهوى في طلب الدنيا والرياسة . فمن طلب اللذة والابتهاج لها أوى إلى الحانات ، وسلم الناس معصيته ، ولكن من كان مراده الشهدة والنفوذ سكن الصوامع والأديرة ، وبعد بذلك عن طريق الحق ، وصار فتنة للخلق . وزد على ذلك أنه قاد غيره إلى طريقه ، وكل من اعتمد على هواه ، وسكن إلى اتباعه فهو بعيد عن اللّه تعالى ، وإن كان معك في المسجد ، ومن ترك هواه وتجرد منه فهو قريب من اللّه تعالى ، وإن كان بالكنيسة . روى إبراهيم الخواص أنه قال : « سمعت مرة أنه يوجد في الروم راهب أقام سبعين سنة في دير من الأديرة فاستعجبت لذلك ، وقلت إن أربعين سنة هي أقصى مدة يتعهد الراهب بقضائها في الدير فكيف تكون حال هذا الرجل الذي أقام سبعين سنة ؟ . فذهبت لأراه فلما اقتربت منه فتح كوته وقال لي : يا إبراهيم ،

--> ( 1 ) سورة النازعات : آية 40 . ( 2 ) سورة الجاثية : آية 23 .